لأول مرة منذ نحو 80 عاماً، كشفت نتائج مسح سنوي شمل 90 بنكاً مركزياً وصندوقاً سيادياً تدير مجتمعة ما يقارب 10 تريليونات دولار من الاحتياطيات الرسمية، عن توجه أغلب هذه البنوك نحو خفض حيازتها من الدولار خلال العقد القادم، بدلاً من زيادتها. يأتي هذا التحول في ظل تصاعد المخاطر السياسية والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على الثقة في العملة الأمريكية، مع توقع استمرار تجزئة النظام المالي العالمي إلى نظام متعدد الأقطاب دون هيمنة عملة واحدة.
سحب جزئي ومدروس من الاحتياطي الدولاري
يشكل الدولار الأمريكي حالياً 56.77% من الاحتياطيات العالمية، وهو انخفاض ملحوظ من ذروته التي تجاوزت 70% في أواخر تسعينيات القرن الماضي. ويأتي هذا التراجع رغم أن الدولار لم يشهد ضعفاً فعلياً في قيمته خلال عام 2026، حيث سجل مكاسب نسبتها 3%. ويشير ذلك إلى أن تخفيض حصة الدولار في الاحتياطيات هو حركة استراتيجية بطيئة ومدروسة على مدى سنوات قادمة، وليست نوبة بيع مفاجئة أو هروب سريع.
الدروس المستفادة من العقوبات وتأثيرها على الثقة بالدولار
يعود السبب الرئيس لتغيير مراكز الاحتياطي إلى تجربة العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا عقب غزوها لأوكرانيا في 2022. إذ تم تجميد ما يقارب 300 مليار دولار من الاحتياطيات الروسية، مما كشف أن الأموال المحتفظ بها بالدولار يمكن تهديدها أو إلغاؤها بقرار سياسي مُباشر من الدولة التي تصدر العملة. هذا الدرس دفع مديري الاحتياطيات إلى تبني استراتيجيات لتقليل المخاطر السياسية المرتبطة بالاعتماد الكلي على الدولار.
الذهب كملاذ آمن وأهمية تنويع الاحتياطيات
أدى التحدي الذي واجه الدولار إلى ارتفاع اهتمام البنوك المركزية بالذهب؛ فوفقاً للبنك المركزي الأوروبي، يمثل الذهب الآن 27% من الاحتياطيات الرسمية مقابل 22% للسندات الأمريكية، متفوقاً عليها لأول مرة منذ عام 1996. كما يتوقع مجلس الذهب العالمي أن تنخفض حصة الدولار خلال خمس سنوات إلى 74% من مستواها الحالي، مع توجه 30% من مديري الاحتياطيات إلى إضافة الذهب إلى محافظهم قريباً.
ويلجأ مدراء الاحتياطي أيضاً إلى استهداف عملات أخرى لكن بحصص أقل مثل اليورو، اليوان الصيني، الجنيه الإسترليني، الكرونة النرويجية، والدولار النيوزيلندي، بالرغم من المشاكل الهيكلية الحالية في بعض هذه العملات التي تمنعها من استبدال الدولار كعملة احتياطية رئيسية بصورة كاملة.
الأثر الاقتصادي والمالي في السعودية والعالم
يعكس هذا التحول تغيرات في الهيكلة المالية العالمية تؤثر بشكل غير مباشر على اقتصاد السعودية، التي تعد من بين الدول الفاعلة في الأسواق المالية العالمية واحتياطياتها. تحجيم الدور الأمريكي في الاحتياطيات قد يضغط على السياسة المالية الأمريكية لرفع أسعار الفائدة لجذب مشتري سنداتها، ما ينعكس على تكلفة الاقتراض عالمياً، بما في ذلك قروض العقارات والسيارات وبطاقات الائتمان. كما يؤدي ضعف الدولار نسبياً إلى زيادة أسعار السلع المستوردة، مما يعزز عوامل التضخم في الأسواق المستوردة.
في ظل هذا الواقع، تراقب الجهات المختصة في السعودية المدي الكيفي والكمّي لتغييرات احتياطيات العملات والذهب لدى الجهات الدولية، لاسيما وأن المزاج الاستثماري العالمي يتجه نحو التنويع والحذر من المخاطر السياسية المرتبطة بالدولار الأمريكي.
مستقبل النظام المالي العالمي وتوقعات مديري الاحتياطات
يرى 80% من المشاركين في المسح أن النظام المالي العالمي سيمضي في الانقسام والتجزئة إلى أكثر من قطب، دون وجود هيمنة مطلقة لعملة واحدة كما كان في السابق. وهذا التوجه يرتبط برغبة في تقليل التعرض للمخاطر السياسية المرتبطة بعملة بعينها، واستعداد لتوزيع الاحتياطيات على أصول وعملات بديلة تحفظ السيولة والثقة والاستقرار المالي للدول.
يستمر الدولار الأمريكي في الحفاظ على مكانته كعملة احتياطية رئيسية، إذ يشكل 42% من الاحتياطيات العالمية الشاملة، لكنه خاضع لمراقبة وتقييم مستمر من قبل مديري الاحتياطيات الذين يميلون إلى تنويع أصولهم بدلاً من الاعتماد على نظام مالي مهيمن وفق استراتيجية طويلة الأجل تتجاوز دورة أخبار السوق الآنية.
المشهد الراهن يعكس بداية مرحلة جديدة من التحولات في السياسة الاحتياطية العالمية، حيث تعمل الدول على إعادة ضبط موازنات مخاطر العملات والأصول بما يحقق استقراراً أكبر لأوضاعها المالية في ظل مناخ جيوسياسي متغير.
آخر تحديث 2026-07-02 18:28:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط وليس توصية استثمارية، وتُنسب البيانات إلى مصادرها الرسمية ويُنصح بالتحقق منها.
