تواجه الصناعة الأوروبية تحدياً متزايداً في الحفاظ على مكانتها التنافسية وسط تسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي حول العالم، حيث تشير بيانات وتقارير حديثة إلى أن المصنّعين الأوروبيين يحتاجون إلى دمج حلول الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتهم خلال السنتين إلى الثلاث المقبلة، وإلا فقدوا قدرتهم على المنافسة مع نظيراتهم في آسيا والولايات المتحدة. وتكمن نقطة القوة الأوروبية حالياً في امتلاك قاعدة ضخمة من البيانات الصناعية والخبرات التي تمتد لأكثر من قرن، وهو ما قد يوفر فرصة نادرة لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي فيزيائي موجه لإدارة المصانع وسلاسل الإمداد والروبوتات الصناعية.
يكشف تقرير لـ”بلومبرغ” أن الإنتاجية الصناعية في أوروبا بدأت بالتراجع أمام المنافسين الآسيويين، مما يهدد نحو تريليون دولار من قيمة الإنتاج الصناعي بنقلها خارج القارة. وتعمل شركات أوروبية مثل Mistral AI على تقديم حلول ذكاء اصطناعي صناعية متقدمة، مدعومة بشراكات مع شركات كبرى في مجال الطيران مثل “إيرباص” وقطاع السيارات مثل مجموعة “بي إم دبليو”، بالإضافة إلى استحواذها على شركات متخصصة في نماذج المحاكاة الهندسية. كما تعزز شركات هندسية رائدة مثل Siemens وSchneider Electric وDassault Systèmes جهودها لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة ومخرجات المصانع.
تسارع تبني الذكاء الاصطناعي ضرورة اقتصادية
تؤكد سابين شوينرت المديرة الإدارية لمنطقة أوروبا الوسطى في “داسو سيستمز” أن القارة تواجه مهلة تقارب ثلاث سنوات لدمج الذكاء الاصطناعي في الصناعة، محذرة من أن التأخر قد يحرمها من اللحاق بركب التطور التصنيعي في آسيا. ويرجع التحدي في أوروبا إلى حاجة المصانع لأتمتة متقدمة تتطلب بنية تحتية تمويلية وكوادر مؤهلة وعمليات تصنيع موحدة، وهو ما لا يتوفر لدى العديد من الشركات، لا سيما الصغيرة والمتوسطة التي غالباً ما تنتج كميات محدودة لا تناسب تطبيق الأتمتة.
عقبات تنظيمية وأمن البيانات
يبرز تحدٍ آخر يتمثل في القيود التنظيمية التي فرضتها التشريعات الأوروبية ومنها “قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي”، الذي يعد الأنظمة الصناعية عالية المخاطر، بما في ذلك أنظمة الصيانة التنبؤية وأتمتة خطوط الإنتاج، خاضعة لإجراءات رقابية معقدة. وينتج عن ذلك عزوف بعض الشركات الناشئة عن الاستثمار في السوق الأوروبية والتوجه نحو أسواق أكثر مرونة تنظيمياً كالولايات المتحدة. ويشير أخصائي الصناعة وليد جبارة إلى أن تكاليف الالتزام التنظيمي قد تكون عبئاً مالياً كبيراً، خصوصاً على الشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يبطئ الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
يتضافر إلى ذلك حرص الشركات الأوروبية على حماية سرية بياناتها الصناعية الحساسة، الذي يجعل مشاركة هذه البيانات مع أطراف خارجية أمراً محفوفاً بالمخاطر، مما يضعف فرص تعظيم الاستفادة من الذكاء الاصطناعي المستند إلى البيانات.
البيانات الصناعية رصيد استراتيجي
توضح مستشارة الذكاء الاصطناعي هيلدا معلوف ملكي أن الفارق بين الذكاء الاصطناعي الأوروبي وذكاء المنافسين الأمريكيين والصينيين هو امتلاك أوروبا لمليارات البيانات الصناعية المتعلقة بالسيارات والطيران والآلات والدواء، ما يجعل القيمة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في أوروبا مركزة على الذكاء الاصطناعي الفيزيائي الذي يدير المصانع وسلاسل الإمداد. تعود هذه البيانات إلى عقود من التشغيل، وتتيح لنماذج الذكاء الاصطناعي التنبؤ بالأعطال وتحسين استهلاك الطاقة، مما يرفع الإنتاجية بشكل ملموس.
تُعد هذه البيانات الصناعية أحد الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها أوروبا في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، على عكس البيانات المستخدمة في تطبيقات المحادثة أو وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعكس كيف يعمل الاقتصاد الحقيقي داخل المصانع.
مخاطر مستقبلية لقطاع “صنع في أوروبا”
يشير الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي وحده لن يعيد أوروبا إلى صدارة التصنيع، لكن تعجيل تبنيه هو الطريق الأفضل للحفاظ على موقعها الصناعي خلال العقد المقبل. وتحدٍ رئيسي يتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج، خصوصاً طاقة الكهرباء اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي المكثفة، وهو ما تعاني منه المصانع الأوروبية حالياً مقارنة بمنافسين عالميين. وتعتبر المهلة الزمنية المحددة لتسريع التبني تحذيراً اقتصادياً وسياسياً يلزم بروكسل بتخفيف القيود التنظيمية وتحفيز الاستثمارات التقنية لإنقاذ هوية “صنع في أوروبا”.
الأرقام الرئيسية في الخبر
- تريليون دولار: قيمة التصنيع الأوروبي عرضة للانتقال خارج القارة بحسب تقرير مجموعة بوسطن الاستشارية (مايو 2026) – دلالة على تراجع القدرة التنافسية.
- سنتان إلى ثلاث سنوات: المهلة المتاحة للمصانع الأوروبية لدمج الذكاء الاصطناعي وفق “داسو سيستمز” – مؤشر للسرعة المطلوبة لتجنب التخلف عن آسيا.
- عدد متزايد من الشركات الناشئة الأوروبية: يتفوق على نظيرتها الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي الصناعي حسب تقرير مركز “إنترفيس” – مؤشر على تحرك السوق الأوروبية نحو الحلول الصناعية الذكية.
آخر تحديث: 2026-06-27 10:10:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط، ولا يمثل توصية استثمارية أو مالية.
