كشف تقرير حديث صادر عن مجموعة وكالات دولية معنية بمتابعة هدف التنمية المستدامة 7، أن ما يزيد على 655 مليون شخص حول العالم ما زالوا محرومين من خدمات الكهرباء، بينما يعاني نحو ملياري شخص آخرين الاعتماد على وسائل طهي ملوثة تمثل خطراً صحياً بالغاً. وقد أظهرت بيانات عامي 2023 و2024 تباطؤ وتيرة إحراز التقدم في إتاحة الخدمات الكهربائية خصوصاً في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مع ضرورة مضاعفة جهود التوصيل إلى ثلاثة أضعاف للوصول إلى هدف حصول الجميع على الكهرباء بحلول عام 2030.
ينطلق التقرير الذي صدرت نتائجه في 25 يونيو 2026 من معطيات ومقاييس دقيقة جمعها كل من الوكالة الدولية للطاقة، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وشعبة الإحصاءات بالأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة الصحة العالمية، فيما يُتابع التقدم في مجالات توفير الطاقة المستدامة، وكفاءة استخدامها، والتمويل الدولي الداعم للطاقة النظيفة في البلدان النامية. ويبرز التقرير التحديات الاقتصادية الإقليمية التي تصاحب هذا التعثر، خصوصاً في أفريقيا جنوب الصحراء حيث يعيش أكثر من 560 مليون شخص بلا كهرباء، و970 مليون معتمدين على طهي باستخدام وسائل ملوثة.
التقدم المحدود في إتاحة الكهرباء وحلول الطاقة المتجددة المتنامية
بلغت نسبة السكان الحاصلين على خدمات الكهرباء 92% في 2024، لكن النمو السنوي في إتاحة الكهرباء انخفض إلى النصف مقارنة بعقد مضى. وتفاقمت فجوة الوصول داخل المناطق الريفية في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث بلغ عدد الذين لا يملكون كهرباء 447 مليون نسمة مقابل 376 مليون في 2010. ورغم هذا، سجل إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة رقماً قياسياً عند 544 واط للفرد، تشكل حالياً أكثر من 30% من استهلاك الكهرباء العالمي، وشهد التمويل الدولي العام لمصادر الطاقة النظيفة زيادة طفيفة إلى 24.6 مليار دولار في 2024.
إمكانية توليد الطاقة المتجددة تبرز تفاوتاً حاداً بين البلدان، إذ تصل القدرة في البلدان منخفضة الدخل إلى 33.6 واط للفرد فقط مقابل 1224 واط للفرد في البلدان المرتفعة الدخل. وتبرز في التقرير أهمية تعزيز استخدام الطاقة بكفاءة مع معدلات تحسن متواضعة جداً بلغت 1.5% في 2023، ما يتطلب تكثيف الجهود لمواكبة أهداف التنمية المستدامة.
فجوات الطاقة النظيفة للطهي وتأثيرها الصحي والاقتصادي
يفيد التقرير بأن مشكلة اعتماد ملياري شخص على أنواع وقود ملوثة للطهي تظل أكبر عائق في مجال الطاقة، وتتركز بشكل كبير في أفريقيا جنوب الصحراء التي يتوقع أن يرتفع عدد المحرومين من وسائل الطهي النظيف فيها إلى مليار شخص بحلول 2027. ويظهر تفاوت جغرافي واضح إذ تبلغ نسبة الحاصلين على وسائل طهي نظيفة 89% في المناطق الحضرية مقابل 56% في المناطق الريفية. وتأثير هذا الاعتماد على الوقود الملوث يتجاوز البعد البيئي ليطال الصحة العامة، إذ يتسبب تلوث الهواء داخل المنزل في وفاة حوالي 3 ملايين شخص سنوياً، بالإضافة إلى تبعات اجتماعية خاصة على النساء والفتيات.
تحفيز النمو بالتمويل واستراتيجيات التعامل مع الأزمة
يشير التقرير إلى أن التمويل الدولي الخاص بمصادر الطاقة النظيفة في الدول النامية يعاني من قيود واضحة، مع انخفاض في التدفقات المالية من 24.4 مليار دولار عام 2023 إلى 24.6 مليار دولار في 2024، وتراجع التمويل الحكومي الموجه لأفقر الدول بنسبة 11% عام 2024 مقابل 2023. ويبرز دور التمويل عبر الديون الذي يمثل 80% من التدفقات، بينما تمثل المنح 13% وتمويل الأسهم 2% وضمانات المخاطر 5%. في ظل الحساسيات الاقتصادية العالمية وتداعيات أزمة الطاقة، يوصي التقرير بتركيز الدعم المالي الميسر والمخصص للدول الأقل نمواً، إلى جانب تعزيز السياسات والإطار التشريعي لتحسين الوصول للطاقة بأسعار معقولة.
وفي إيصال رسائل واضحة لصناع القرار، يؤكد فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، أن “إتاحة مصادر الطاقة الحديثة ترتكز على وسيلتين أساسيتين، هما الطهي النظيف والكهرباء، وأن التقدم المحرز يعكس إمكانية الإنجاز من خلال سياسات صحيحة”. من جهته، يضيف فرانشيسكو لا كاميرا، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة، أن “تسريع نشر مصادر الطاقة المتجددة المحلية هو مفتاح تعزيز أمن الطاقة والقدرة على التكيف مع الاضطرابات الاقتصادية، خصوصاً لأقل البلدان نمواً”.
وتشير لي جون هوا، وكيل الأمين العام للشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة، إلى أن “الأزمة العالمية الراهنة في الطاقة تقدم فرصة لا ينبغي تفويتها لتسريع التحول إلى مصادر طاقة نظيفة، مما يستلزم مضاعفة الجهود والدعم الدولي”. فيما تضيف فاليري ليفكوف، نائبة رئيس قسم البنية التحتية بالبنك الدولي، أن “هناك حلولا متوفرة لتكثيف الجهود وإنجاح التوسع في خدمات الطاقة الموثوقة ومعقولة التكلفة، مع ضرورة جذب استثمارات القطاع الخاص لمواجهة التحديات الميزانية”.
كل ذلك يشير إلى ضرورة تعزيز تنسيق العمل وتثبيت القيادة السياسية، مع إيلاء الأولوية للبلدان والمجتمعات التي تعاني من مخاطر التخلّف، ضمن إطار دولي متكامل يدعم الجهود الوطنية لتوسيع خدمات الطاقة وتأمين بيئة استثمارية مستدامة.
مؤشرات رئيسية وتوقعات نحو 2030
- خدمات الكهرباء: بلوغ نسبة إتاحة خدمات الكهرباء 92% في 2024 بمعدل نمو سنوي 0.43% يتطلب رفع الوتيرة إلى 1.3% لمعادلة التغطية بحلول 2030، مع تأخر واضح في أفريقيا جنوب الصحراء.
- الوقود النظيف للطهي: حوالي 2 مليار مستخدم ما زالوا يعتمدون على وقود ملوث، مع تقديرات أن يبلغ عدد المستفيدين من طهي نظيف ربع سكان العالم فقط بحلول 2030، ويحتاج خفض هذا الرقم جهودًا مضاعفة.
- الطاقة المتجددة: تغطي حالياً أكثر من 30% من الكهرباء المستخدمة عالمياً مع فجوة كبيرة في القدرة بين البلدان الغنية والفقيرة.
- كفاءة الطاقة: تحسن بنسبة 1.5% خلال 2023 أقل بكثير من المستهدف، ما يستلزم تسريع تطبيق تقنيات كفاءة الطاقة لتقليل الطلب والتكاليف والانبعاثات.
- التمويل الدولي للطاقة النظيفة: انخفاض التمويل لأفقر البلدان بنسبة 11% في 2024، مع اعتبار التمويل القائم على الديون المرجح الرئيسي، إلى جانب الحاجة إلى زيادة المنح وتمويل الأسهم لتوسيع نطاق التأثير.
يُذكر أن التقرير سيُعرض على صانعي القرار في فعالية خاصة مرتبطة بالمنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة في نيويورك خلال 8 يوليو 2026، وهو المنبر الذي يراقب التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
التقرير يقدم رؤية استراتيجية معتمدة على بيانات حديثة لتعزيز السياسات والاستثمارات الدولية في قطاع الطاقة، والارتقاء بجهود التحول الطاقي.
آخر تحديث: 2026-06-25 11:57:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط، ولا يمثل توصية استثمارية أو مالية.
