أعلن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفن وورش، عن إطلاق خمسة فرق عمل متخصصة لإعادة تقييم شاملة لآليات وأسس السياسة النقدية في البنك المركزي، في خطوة تهدف إلى إعادة هيكلة منظومة اتخاذ القرار وتأطير السياسة النقدية بمقاربة حديثة تواكب مستجدات الاقتصاد العالمي.
تتضمن هذه المبادرة الطموحة مراجعة معمقة لمجالات عدة، منها أساليب التواصل، والبيانات التي يعتمد عليها الفيدرالي في قياس أداء الاقتصاد، وكذلك النظرة تجاه التضخم وأسبابه، فضلاً عن تأثيرات التكنولوجيا المتقدمة كالذكاء الاصطناعي على السياسات النقدية، إضافة إلى دراسة الحجم والتكوين الحالي للميزانية العمومية العملاقة للبنك المركزي التي تصل إلى 6.7 تريليون دولار والبحث في مسارات محتملة لتقليص هذه الأصول.
وأوضح وورش في أول مؤتمر صحفي له منذ توليه المنصب في 17 يونيو 2026، أن فرق العمل ستبدأ “بالمبادئ الأساسية، وطرح الأسئلة الصعبة، ومراجعة الممارسات الحالية، والنظر في البدائل، ومن ثم اقتراح الخطوات القادمة التي ستُعرض على صانعي القرار”. وأكد أن الهدف الأسمى هو “بنك مركزي واعٍ تماماً بمهمته، يناسب غرضه، ويركز على المستقبل”.
تحول هادئ في نهج الاحتياطي الفيدرالي
على الرغم من المواقف الحادة التي اتخذها وورش قبل تعيينه، والتي تطالب بــ”تغيير نظامي” في عمل الفيدرالي بسبب “عجز في المصداقية” طالته المؤسسة، آثر أن يتبنى نبرة إيجابية تعكس إعجابه بالتقاليد الراسخة للنظام المصرفي خلال جلساته الأولى. اتسمت الأجواء داخل البنك المركزي منذ بداية عهدته بالود والتعاون، ما ينبئ بمرحلة جديدة من التحديث البنّاء، وفق تعبير سكوت كليمونز، كبير الاستراتيجيين الاستثماريين بشركة براون براذرز هريمان، الذي وصف ما يجري بأنه “تغيير نظامي بيد من قفاز مخملي”.
وتؤيد أصوات من داخل المؤسسة هذا التوجه، مثل نائب رئيس الفيدرالي السابق روجر فيرغسون، الذي أكّد أن عمليات التغيير الناجحة تبدأ من خطوات كهذه التي يعتمدها وورش القائمة على بناء توافق واسع حول مخرجات العمل.
بداية العمل
تؤكد لوريتا ميستر، رئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق في كليفلاند (2014-2024)، أن ما يميز خطة وورش هو تنظيم العمل وسرعة الإنجاز مقارنة بالمبادرات السابقة. وأشارت إلى أن جميع المجالات التي يستهدفها هذا المشروع سبق أن بحثها الفيدرالي، لكن المجهود الحالي أكثر تنسيقاً وتركيزاً.
وأبرز ما تم تغييره منذ بداية عهدته هو تبسيط اللغة في البيان الصادر بعد اجتماع السياسة النقدية الأخير، حيث عاد الفيدرالي إلى الترتيب القديم في تقديم البيان بدءاً من قرار سعر الفائدة، تاركاً تقييم الوضع الاقتصادي في النهاية، وأضاف وورش شفافية أكبر عبر تقليص “اللغة النمطية” غير المؤثرة، وهو ما اعتبرته ميستر خطوة مهمة تنهي “مشكلة فندق كاليفورنيا” حيث لا يُمكن حذف عبارات أصبحت جزءاً ثابتاً من البيانات.
ومن المتوقع أن تناقش فرق العمل أيضاً إلغاء نشر توقعات أسعار الفائدة المعروفة بـ”مؤشر النقاط”، فضلاً عن تعديل أسلوب المؤتمرات الصحفية التي يعقدها رئيس الفيدرالي منذ 15 عاماً.
مجالات إصلاح أخرى
يتركز أحد التحفظات الرئيسية لرئيس الفيدرالي حول حجم الميزانية العمومية الضخم، التي تضاعفت بفعل سياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي في أزمات مالية سابقة مثل أزمة 2008 وجائحة كوفيد-19 في 2020. تسعى المبادرة إلى إيجاد طرق لتقليص هذه الحيازات بشكل مرحلي ومدروس.
كما ستتركز التحقيقات على كيفية قياس التضخم، لا سيما بعد خمس سنوات من تجاوزه لمستهدفات الفيدرالي، وبخاصة عقب التصريحات السابقة التي اعتبرته “مؤقتاً” في 2021-2022 والتي وُصفت بالأخطاء التقديرية، إضافة إلى دراسة معمقة لأثر الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد وطرق التقييم المتاحة حالياً.
- ميزانية الاحتياطي الفيدرالي: 6.7 تريليون دولار (حتى يونيو 2026)
- موعد المؤتمر الصحفي الأول لكيفن وورش: 17 يونيو 2026
- عدد فرق العمل المتخصصة في المراجعة: خمسة
علق ريك ريدر، رئيس الدخل الثابت في بلاكروك ونافس وورش على المنصب، أن ما يحدث يفتح “عصرًا جديدًا للسياسة النقدية في الولايات المتحدة”، معتبراً أن هناك فلسفة وأدوات جديدة ستكون لها تأثيرات جوهرية على الاقتصاد وعلى الأهداف النقدية مستقبلاً.
وختمت ميستر بالتأكيد على أهمية وضوح المعايير التي ستوجه صانعي السياسة النقدية، مضيفة: “لا يجب أن تكون هذه المعايير رقمية دقيقة، لكن من المهم أن نعرف ما الذي سيقنعهم بتغيير موقف البنك أو التمسك به. بدون هذا الوضوح، تصبح سياسة الفيدرالي مجرد ‘ثق بي’، وهذا ليس تواصلاً ناجحاً”.
تأثير المراجعات المتوقعة على الأسواق العالمية واهتمام المنطقة العربية
تشير هذه الخطوة إلى استعداد الاحتياطي الفيدرالي لتحديث جذري في أدواته وطرقه، مما قد يؤثر على مسار أسعار الفائدة وسيولات الأسواق العالمية. يعتبر المتابعون في الأسواق العربية هذا التطور فرصة لمراقبة كيف ستنعكس هذه الإصلاحات على تقلبات العملات وأسواق الأسهم، خصوصاً في ظل ارتباط اقتصادات المنطقة بسياسات الاحتياطي الفيدرالي وتأثيرها على أسعار النفط والتدفقات المالية.
التركيز على دمج الذكاء الاصطناعي والبيانات المتقدمة في مراقبة الاقتصاد يؤكد توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو تبني التكنولوجيا لتعزيز دقة واستباقية القرار النقدي، ما قد ينعكس مستقبلاً على مزاج المستثمرين في المنطقة ويزيد من أهمية متابعة المستجدات في البورصات العالمية.
آخر تحديث: 2026-06-21 15:14:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي فقط، ولا يمثل توصية بشراء أو بيع أي ورقة مالية.
