تُعتبر الطاقة الحرارية الأرضية مصدراً متجدداً متقدماً يعزز من كفاءة استهلاك الكهرباء والمياه في القطاع الزراعي، لا سيما في البيوت الزراعية المحمية. في تجربة عملية نفّذها خبير الطاقة المتجددة الأستاذ الدكتور مشتاق إسماعيل الإبراهيمي من جامعة ذي قار في العراق، تم استغلال حرارة التربة المستقرة على عمق 3 إلى 3.5 أمتار لتبريد وتدفئة البيوت المحمية، مما خفض الاعتماد على أنظمة التبريد والتدفئة التقليدية التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه.
تعتمد الطاقة الحرارية الأرضية على الحرارة المخزنة في باطن الأرض، وهي تحافظ على استقرار حراري طوال العام، ما يجعلها خياراً مثالياً للاستخدام في المناطق الحارة والجافة لتعزيز الإنتاج الزراعي المستدام. ومن خلال استغلال حرارة التربة، يمكن تحسين بيئة نمو النباتات في البيوت الزراعية المحمية، وبالتالي دعم الأمن الغذائي بتوفير محاصيل زراعية على مدار السنة.
تطور تقنيات الزراعة المحمية
تحتاج المحاصيل الزراعية إلى ظروف مناخية محددة كي تنمو بشكل جيد، ما يجعل الزراعة المحمية خيارًا حيويًا لتوفير بيئة ملائمة بغض النظر عن المناخ الخارجي. ومع التطورات الأخيرة في تقنيات الزراعة، بات من الممكن إنتاج معظم المحاصيل طوال العام عبر تنظيم درجات الحرارة داخل البيوت الزراعية. ولكن العمليات التقليدية القائمة على التبريد والتدفئة تعتمد على الأجهزة المستهلكة للكهرباء مثل مبردات الهواء وأنظمة التبريد التبخيري، التي تزيد من تكلفة الإنتاج وتستهلك كميات كبيرة من المياه، خصوصًا في المناطق ذات شح الموارد المائية.
استغلال الطاقة الحرارية الأرضية
تستند تقنية الطاقة الحرارية الأرضية إلى ثبات درجة حرارة التربة على عمق معين، حيث لا تتأثر بالتغيرات المناخية الموسمية. ووفقًا لتجربة الإبراهيمي في مدينة الناصرية، بلغت درجة حرارة التربة على عمق 3 إلى 3.5 أمتار نحو 26.4 درجة مئوية، وظلت مستقرة طوال العام. استُخدم مبادل حراري أرضي يتألف من شبكة أنابيب مدفونة في التربة، يعاد من خلالها تدوير الهواء الحار من داخل البيت الزراعي بعد تبريده نتيجة انتقال حرارته إلى التربة.
آلية عمل بسيطة وفعالة
يتم سحب الهواء الساخن داخل البيوت الزراعية المحمية عبر مروحة إلى شبكة الأنابيب المدفونة، حيث يخفض الهواء درجة حرارته بحوالي 10 درجات مئوية قبل إعادته إلى المكان ليناسب نمو النباتات. سجل النظام درجات حرارة بين 32.9 و33 درجة مئوية للهواء المعاد تدويره، مقارنةً بدرجات حرارة خارجية وصلت إلى 43 درجة مئوية وتحذير محتمل بوصولها إلى نحو 50 درجة مئوية خلال الذروة الصيفية. توفر هذه التقنية بيئة مناسبة لزراعة معظم الخضراوات والفواكه التي تنمو في نطاق درجات الحرارة تلك، مما يضمن فعالية نظام التبريد.
مزايا النظام ودمج مصادر الطاقة المتجددة
يُعدّ استهلاك الكهرباء المنخفض من أبرز مزايا هذا النظام، حيث يستهلك فقط الطاقة اللازمة لتشغيل المراوح، دون الحاجة إلى ضواغط تبريد كهربائية ذات استهلاك مرتفع. هذا يسمح باستخدام التقنية في المناطق النائية ذات البنية الكهربائية الضعيفة أو الغير مستقرة. علاوة على ذلك، يمكن تشغيل المراوح باستخدام أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية، مما يدمج بين مصدرَيْن متجددَيْن للطاقة في منظومة واحدة فعالة اقتصاديًا وبيئيًا.
- تصميم النظام يعتمد على عوامل مثل مساحة البيت الزراعي ونوع المحاصيل وموقعه الجغرافي.
- يشمل التصميم تحديد أقطار وأنواع الأنابيب وأطوالها وعددها وتوزيعها داخل التربة.
- تُحدد معدلات تدفق الهواء وسعة المراوح لضمان وصول مستوى التبريد المطلوب بأعلى كفاءة.
استعمال المبادل الحراري للتدفئة في الشتاء
إلى جانب خصائص التبريد في الصيف، يمكن استخدام المبادل الحراري الأرضي للتدفئة خلال فصل الشتاء، حيث تبقى درجة حرارة التربة ثابتة عند نحو 26 درجة مئوية حتى في انخفاض درجات حرارة الهواء إلى الصفر أو أقل. تستغل هذه الخاصية لرفع درجة حرارة الهواء قبل ضخه إلى البيوت الزراعية، مما يقلل الاعتماد على الوقود أو الكهرباء بكميات كبيرة للحفاظ على بيئة نمو مستقرة للنباتات في الشتاء.
تظهر التجربة العملية أن الطاقة الحرارية الأرضية توفر حلاً مستدامًا وبسيطًا تقنيًا للتحديات المناخية في القطاع الزراعي، مع توفير تكاليف تشغيل أقل، وتقليل استهلاك الكهرباء والمياه، إلى جانب خفض البصمة البيئية. هذا يعزز من استدامة الإنتاج الزراعي وحماية البيئة، ما يجعلها خيارًا مناسبًا للزراعة المحمية في الدول العربية التي تتمتع بظروف مناخية مماثلة.
آخر تحديث: 2026-06-24 23:49:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط، ولا يمثل توصية استثمارية أو مالية.
