سجلت أسعار النفط الخام تراجعًا ملحوظًا في النصف الأول من عام 2026، مع تراجعها إلى مستويات لم تُشهد منذ فبراير/شباط الماضي. جاء هذا الانخفاض وسط تحركات واسعة في سوق النفط بدفع من اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ما أدى إلى خروج عدد من السفن العالقة في مضيق هرمز ورفع المعروض النفطي عالميًا، وخاصة في الأسواق الآسيوية.
شهد خام برنت انخفاضًا تجاوز 15 دولارًا للبرميل خلال عشرة أيام، ليعود إلى حدود تداول تفوق قليلاً 85 دولارًا للبرميل، بينما شهد الخام الأمريكي غرب تكساس انخفاضًا في الفرق مع خام برنت من 8 إلى 4 دولارات للبرميل في فترات سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول 2026.
أبرز المحركات وراء تراجع أسعار النفط
تراجع أسعار النفط مرتبط بعدة عوامل اقتصادية وتقنية أثرت في العرض والطلب خلال الفترة الأخيرة، حيث برزت خمسة عوامل مؤثرة إلى حد كبير في هذا السياق:
- حذر المستثمرين والقطاع الصناعي: إعلان الرئيس الأميركي السابق ترمب عن احتمالية توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار دفع المستثمرين إلى توخي الحذر، ما خفّض الشعور بالحاجة الملحة لتأمين كميات إضافية من النفط من قبل مصافي التكرير.
- انخفاض واردات الصين: تراجعت واردات بكين النفطية من 12.58 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط 2026 إلى 7.82 مليون برميل يوميًا في مايو/أيار من نفس العام، ما يشير إلى استهلاكها للمخزونات الإستراتيجية، وبالتالي اتساع المعروض للآخرين في السوق.
- تصدير قياسي للولايات المتحدة: زادت الولايات المتحدة صادراتها من النفط الخام والمنتجات المكررة إلى مستويات قياسية، مدعومة بعمليات الإفراج من الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ما حسن من الإمدادات في الأسواق الأوروبية والآسيوية.
- إفراج من احتياطيات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD): ساهمت عملية الإفراج في الحد من انخفاض المخزونات التجارية، مما أثر إيجابيًا في موقف العرض العالمي.
- تجاوز مضيق هرمز عن طريق خطوط الأنابيب الخليجية: استخدمت السعودية والإمارات خطوط أنابيب خاصة لتصدير النفط دون المرور بمضيق هرمز، ما ساهم في تقليل الضغط على صادرات منطقة الخليج.
تأثير الاتفاق الأميركي-الإيراني على تدفقات النفط
بعد التوقيع على مذكرة التفاهم في 14 و15 يونيو/حزيران 2026، شهدت الأسواق النفطية تزايدًا سريعًا لتدفقات النفط من الخليج، مع عبور عدد أكبر من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز المُحرر من حالة الاحتجاز. قُدرت صادرات إيران بنحو 40 مليون برميل منذ توقيع الاتفاق، جاءت بمعظمها من مستودعات عائمة كانت محتجزة في الخليج، بالإضافة إلى نحو 30 مليون برميل من مستودعات أخرى ليست إيرانية.
هذا التحرير للأسواق تسبب بتوفر إمدادات نفطية إضافية في الأسواق العالمية، مؤثراً على الأسعار هبوطًا مؤقتًا، بينما يقدر أن 50 إلى 100 مليون برميل أخرى ما تزال في مناطق الخليج، مما يعني احتمال زيادة المعروض قريبًا إذا غادرت هذه الناقلات المضيق.
تحديات تعافي إنتاج النفط في الخليج وتأثيره المستقبلي
يتطلب تعافي إنتاج النفط الخليجي استعادة ثقة قطاع الشحن، وهو ما يتطلب ضمانات متعلقة بالسلامة وإزالة الألغام لإعادة علاوات التأمين إلى وضعها الطبيعي، وهو أمر حاسم لطبيعة التدفقات وحجمها. أضاف البنك السويسري أن الخطوط البحرية البديلة على طول السواحل العمانية والإيرانية ضحلة ولا تستوعب نفس عدد السفن التي كان يستوعبها مضيق هرمز، ما قد يحد من سرعة وصول النفط إلى منافذ التحميل.
يُعد وصول ناقلات نفط كافية إلى الخليج شرطًا رئيسيًا لاستئناف الإنتاج المُتوقف، إذ يسمح تفريغ الناقلات على اليابسة بتحرير سعات التخزين وعودة عمليات الإنتاج بشكل تدريجي. كما يُنتظر زيادة واردات النفط الصينية، والتي تعتبر عاملاً رئيسًا في دعم الطلب العالمي وقراءة الأسعار المستقبلية.
توقعات أسعار النفط حتى منتصف 2027
خفض بنك الاستثمار السويسري “يو بي إس” توقعاته لأسعار النفط على مدى الفترة القادمة، متوقعًا تداول خام برنت عند 85 دولارًا للبرميل في نهاية سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول 2026، مقارنة بتوقعاته السابقة التي كانت 105 و95 دولارًا على التوالي. كما خُفّضت توقعات الأسعار لنهاية مارس/آذار ويونيو/حزيران 2027 إلى 80 دولارًا للبرميل بدلاً من 90 دولارًا.
ويعزو البنك هذا التعديل إلى بطء تعافي الإنتاج في منطقة الخليج وتقليل وتيرة الإفراج من الاحتياطيات الاستراتيجية خاصة مع دخول يوليو/تموز 2026. إذ من المتوقع أن يتم الإفراج عن نحو 270 مليون برميل من مخزونات اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بحلول نهاية يونيو/حزيران، مع تخصيص نحو 45 مليون برميل إضافية للإفراج عنها في يوليو/تموز.
الأثر على المنتجين الخليجيين والأسواق الإقليمية
يُشكل تراجع الأسعار ضغوطًا متزايدة على دول الخليج التي تعتمد ميزانياتها بشكل كبير على عوائد النفط. استمرار انخفاض الأسعار وإعادة هيكلة التدفقات النفطية قد يؤثران على السيولة ونفقات المشاريع التنموية. في المقابل، قد تساهم التدفقات الجديدة للأسواق وتجاوز الإغلاقات البحرية في تعزيز مكانة الخليج كمصدر رئيسي مع ديناميكية شحن أكثر استقرارًا تدريجيًا خلال النصف الثاني من 2026.
ومن المهم مراقبة تطورات الدعم السياسي والأمني لضمان استمرار فتح خطوط الملاحة، وكذلك متابعة بيانات الاستهلاك العالمي، خصوصًا في الصين، التي تعكس متانة الطلب المستقبلي للأسواق الخليجية.
آخر تحديث: 2026-06-26 14:21:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط، ولا يمثل توصية استثمارية أو مالية.
