تراجعت أسعار الذهب في ظل تصاعد معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها خلال ثلاث سنوات، مسجلة انخفاضاً للشهر الرابع على التوالي، فيما يتعارض هذا الأداء مع الدور التقليدي للذهب كملاذ آمن يحمي المستثمرين من آثار التضخم. هذه الظاهرة تكشف عن سوء فهم أساسي لطبيعة الذهب وأسباب تقلب أسعاره في الأسواق المالية.
تأثير أسعار الفائدة ونمو الأرباح على أسعار الذهب
الذهب لا يوفر عوائد منتظمة مثل الكوبونات في السندات أو الأرباح الموزعة في الأسهم، وهذا يجعله حساساً بشكل خاص لعوائد الأصول الأخرى في الأسواق. فحين تكون عوائد السندات الحكومية منخفضة، فإن تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب تكون قليلة، مما يعزز جاذبيته. ولكن مع زيادة عوائد السندات وارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية، يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية لأن المستثمرين يفضلون الأصول المربحة مباشرة.
كما أن نمو أرباح شركات الأسهم يزيد من تكاليف الفرصة البديلة للذهب، مما يدفع المستثمرين إلى التوجه نحو الأسهم التي تقدم عائداً أفضل. يُظهر الربع الأول من عام 2026 ارتفاعاً بنسبة 25% في أرباح سهم شركات مؤشر S&P 500 مقارنة بالعام السابق، مع توقع استمرار النمو السنوي مزدوج الرقم حتى الربع الأخير من 2027.
تشديد السياسة النقدية واحتمال رفع سعر الفائدة
تصاعد التضخم في الولايات المتحدة يعود جزئياً إلى صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن النزاع مع إيران، بالإضافة إلى استمرار تأثير الرسوم الجمركية، مما دفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشدداً. البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة في يونيو 2026، وتحول التركيز صوب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بقيادة رئيسه الجديد كيفن وورش.
في أول اجتماع له، أظهر وورش موقفاً تشديدياً واضحاً، مؤكداً أن ارتفاع الأسعار يمثل فشلاً في السياسة النقدية، وأن لدى اللجنة هدفاً واضحاً لتحقيق استقرار الأسعار. هذا الموقف يتناقض مع التوقعات السابقة التي كانت ترجح لهجة أكثر تيسيراً. حالياً، يتوقع تسعة من صناع السياسة في الفيدرالي استمرار رفع أسعار الفائدة خلال العام، مع توقع زيادة واحدة بحلول سبتمبر وقريباً من اثنتين بحلول نهاية العام.
وبحسب تقديرات مصرف Bank of America، من المرجح رفع الفيدرالي أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس موزعة على ثلاثة اجتماعات في سبتمبر وأكتوبر وديسمبر، لترتفع النطاق المستهدف إلى 4.25% – 4.5%، كنتيجة مباشرة لثبات مؤشر التضخم الأساسي PCE حول 3.5% مع تدهور طفيف.
تراجع توقعات الذهب وسط بيئة نقدية متشددة
على الرغم من التفاؤل الذي ساد السوق قبل عام، حيث جذب الذهب المستثمرين في ظل غموض الرسوم الجمركية وتوقع خفض أسعار الفائدة، إلا أن المتغيرات الحالية غيرت المشهد. خفضت غولدمان ساكس توقعاتها لسعر الذهب في ديسمبر 2026 من 5,400 دولار للأونصة إلى 4,900 دولار، مع إمكانية وصول السعر إلى 4,440 دولار في سيناريو أكثر تشديداً للسياسة النقدية.
أما محللو Bank of America، فهم يرون أن تحقيق سعر 6,000 دولار يبدو غير محتمل خلال الفترة القريبة المقبلة. ورصد مايكل ويدمر، محلل في البنك، علاقة عكسية واضحة بين احتمال رفع أسعار الفائدة و انخفاض أسعار الذهب، حيث تقلل سياسة التشديد المرتقبة من مكاسب الذهب بنحو 50% تقريبا مقارنة بتوقعات خفض الأسعار.
متى يكون شراء الذهب مجدياً؟
الذهب يزدهر عادةً حينما تتراجع معدلات التضخم ويتجه المركزيان إلى تخفيض أسعار الفائدة، حيث تتراجع العوائد الحقيقية وتُخفض تكلفة الاحتفاظ بالذهب كأصل غير مولد للدخل. كما يفضل المستثمرون الذهب عندما يتباطأ نمو الاقتصاد وتتراجع أسواق الأسهم، مما يزيد من جاذبية الأصول الآمنة.
تشير التجارب التاريخية إلى أن الذهب يحقق أفضل أداء ليس فقط في أوقات ارتفاع التضخم، بل في الأوقات التي تكون فيها السياسات النقدية متساهلة رغم ارتفاع الأسعار.
خرافة الذهب كتحوط تلقائي ضد التضخم
هذه النظرة بُنيت أساساً على أزمة السبعينيات، عندما كان التضخم مرتفعاً بشكل مفرط والسياسة النقدية مترددة في الاستجابة، مما أدى إلى عوائد حقيقية سلبية دفعت المستثمرين إلى اللجوء للذهب كملاذ أمن وحيد. حينها قفز الذهب إلى مستويات عالية جداً لعدم وجود بدائل فعالة للمستثمرين.
اليوم، الصورة مختلفة تماماً؛ فالذهب يواجه تحديات تشمل ارتفاع أسعار الفائدة، وزيادة عوائد السندات، وقوة الدولار الأمريكي، في ظل قوة الاقتصاد الأمريكي وقرب معدلات البطالة من أدنى مستوياتها التاريخية، إضافة إلى أرباح ضخمة للشركات التقنية.
الدرس المستفاد واضح وواقعي: شراء الذهب فقط لأن التضخم يرتفع قد يكون قراراً خاطئاً في بيئة اقتصادية وسياسية متغيرة.
وللمزيد من التفاصيل يمكن الاطلاع على التقرير.
الأرقام الرئيسية في الخبر
- ارتفاع أرباح سهم S&P 500: 25% في الربع الأول من 2026 مقارنة بالعام السابق — مؤشر قوي على تحسن أداء الشركات.
- توقعات نمو الأرباح: بمعدل مزدوج الرقم حتى الربع الأخير من 2027 — يدعم توجه المستثمرين للأسهم على حساب الذهب.
- توقعات رفع سعر الفائدة الأمريكية: بمقدار 75 نقطة أساس موزعة على اجتماعات سبتمبر وأكتوبر وديسمبر 2026 — يعزز تأثيرات التشديد النقدي على أسعار الذهب.
- تخفيض توقعات غولدمان ساكس لسعر الذهب: من 5,400 دولار إلى 4,900 دولار للأونصة في ديسمبر 2026 — يعكس تقلبات السوق نتيجة المواقف التشديدية للبنك المركزي.
- مؤشر التضخم الأساسي PCE: 3.5% تقريبا مع تدهور — يستدعي استمرار السياسة النقدية الحازمة من الفيدرالي الأمريكي.
آخر تحديث: 2026-06-24 09:30:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط، ولا يمثل توصية استثمارية أو مالية.
