يواصل الاقتصاد الأمريكي أطول فترة توسع منذ الحرب العالمية الثانية، حيث امتدت نحو 17 عامًا منذ منتصف عام 2009، متجاوزًا الركود المصرفي الكبير الذي أعقب الأزمة المالية العالمية. هذا التوسع الاقتصادي رغم ما واجهه من تحديات متعددة مثل ارتفاع أسعار الفائدة، والتعريفات الجمركية، وصدمة طاقة عالمية غير مسبوقة خلال العام الجاري.
خصائص التوسع الاقتصادي الأمريكي الحالي
يميز هذا التوسع الاقتصادي الأمريكي نهجه المرن وغير التقليدي؛ فلا يشبه “الاعتدال الكبير” الذي شهدته الفترة من 1984 إلى منتصف 2007، والتي تميزت بانخفاض تقلبات الاقتصاد الكلي بشكل حاد. فالاقتصاد الأمريكي اليوم ما زال يتمتع بدرجة عالية من التقلبات، إلى جانب فجوات ثروة واسعة ومستوى تضخم مستمر، وسط بيئة سياسية مشحونة.
يرى محللون أن جزءاً من هذه المرونة ينبع من التحولات الهيكلية التي شهدها الاقتصاد الأمريكي؛ إذ أصبح يعتمد بشكل متزايد على قطاع الخدمات، وتتميز الشركات بحصص مالية أقوى ودعم سياسي سريع، مما يسهم في امتصاص الصدمات الاقتصادية التي كانت سابقًا تؤدي إلى ركود اقتصادي فعلًا.
تفاصيل النمو والركود على مدى العقدين الماضيين
باستثناء الركود الجزئي الناتج عن جائحة كورونا عام 2020، والذي تميز بانكماش حاد مؤقت شكل حرف V، فقد سجل الاقتصاد الأمريكي منذ الأزمة المصرفية الكبرى عام 2009 أطول فترة توسع خالية من ركود فعلي. وقد شهدت الفترة من 2009 إلى 2026 عدة انكماشات ربع سنوية متفرقة غير متتابعة، مثل انخفاض الناتج المحلي الحقيقي في الربع الأول من 2025 المتصل بارتفاع الواردات قبيل فرض الرسوم الجمركية، ولكن لم يتبعها انكماش ربع سنوي ثالث يؤكد ركودًا شاملاً.
وأظهرت الدراسات أن ما يقارب نصف القوى العاملة في الولايات المتحدة لم تواجه خلال مسيرتها المهنية أي فترة ركود شامل يحدث على مستوى الدولة، وهذا ينطبق أيضاً على غالبية المتداولين والمستثمرين في سوق الأسهم الأمريكية.
الأسواق المالية الأمريكية وعلاقاتها بالاقتصاد
على الرغم من غياب الركود الاقتصادي، شهدت أسواق الأسهم الأمريكية تقلبات كبيرة عدة مرات خلال الفترة الماضية تضمّنت انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 25% خلال عام 2022 على خلفية ارتفاع أسعار الفائدة، وتراجعات قرب 20% عاميْ 2015-2016 و2018 اقتصادياً وسياسياً. وأكد استراتيجيون من عدة مؤسسات مالية، منها دويتشه بنك وسوسيتيه جنرال، أن مثل هذه التصحيحات ليست بالضرورة مرتبطة بحدوث ركود اقتصادي.
في السياق نفسه، حقق مؤشر ستاندرد آند بورز 500 مكاسب تقارب 400% خلال 13 سنة، مع التركيز المتزايد على شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما عزّز على حد تعبير المحللين عقلية “الشراء عند الانخفاض” لدى المستثمرين.
آفاق الاقتصاد الأمريكي وتحدياته المستقبلية
يرتبط استمرار هذا التوسع الاقتصادي وديمومة الأسواق الصاعدة بقدرتها على تجنب الصدمات الكبرى؛ إذ يصعب التنبؤ بالعوامل التي قد تعيق المسيرة الاقتصادية في المستقبل القريب، خاصة مع استمرار التحديات الدولية في ظل الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار الوقود، فضلاً عن إمكانية انحسار السياسات المالية التيسيرية أو حدوث أزمات ائتمانية غير متوقعة.
تشير أحدث استطلاعات آراء مديري الصناديق العالمية إلى أن 5% فقط يتوقعون هبوطاً حاداً للاقتصاد الأمريكي خلال العام المقبل، ما يعكس ثقة واسعة بقوة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على مواجهة الضغوط الحالية.
في ضوء ذلك، يبقى مراقبة ديناميكيات التضخم وسياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكية، فضلاً عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة وتأثيرها على أسعار الطاقة، محورياً لفهم مستقبل التوسع الاقتصادي الأمريكي وتأثيره المحتمل على أسواق المال العالمية والعلاقات الاقتصادية مع دول الخليج ومنها اقتصاد السعودية.
آخر تحديث: 2026-07-03 15:43:00
هذا المحتوى إخباري وتحليلي اقتصادي فقط وليس توصية استثمارية، وتُنسب البيانات إلى مصادرها الرسمية ويُنصح بالتحقق منها.
